©2018 by INDEPENDENT MOVEMENT TO SAVE IRAQ. Proudly created with Wix.com

الحـــقيقــة كمــــــــا هــــــي

نبيل العبيدي

كل المؤشرات والأحداث التي جرت وما زالت تجري منذ منتصف الستينات في القرن الماضي ولحد الآن تؤكد بما لا يقبل الشك ان الذي تم رسمه للمنطقة ينفذ بحذافيره بغض النظر عمن رسمه واسهم بشكل مباشر او غير مباشر في تنفيذه. من الطبيعي ان الذي يجزيء الأحداث ويحللها بمعزل عن الأحداث الاخرى لن يستطيع رؤية الترابط الجدلي بينها خاصة ان ما نتحدث عنه من احداث يمتد لأكثر من خمسين عاما، غير اننا نعرف ان التخطيط الاستراتيجي المتعلق بمستقبل العالم او جزء مهم منه لا يتم التعامل معه الا بشكل بطيء يمتد لمثل هذه الفترات الزمنية الطويلة لكي يستوعبه العالم وخاصة الشعوب التي يصيبها من ذلك التغيير القدر الأكبر. المهم في الموضوع ان نشخص الهدف او الأهداف الرئيسية التي يسعى اليها من فكر وخطط وعندها سنعرف اسباب كل حدث مهم تغير بسببه شكل المنطقة او الدولة او السياسة فيها وصولا الى الأنظمة التي تسود وتحكم.

لنعود قليلا الى ذلك الزمن – منتصف ونهاية الستينات من القرن العشرين – ونرى اهم ما حدث فيها في الشرق الأوسط. بعد استيلاء حزب البعث على السلطة في العراق في عام 1968 في السابع عشر من تموز، كانت المنطقة قد خرجت لتوها من حرب خاطفة بين الدول العربية واسرائيل ومنها خرج العرب منهزمين شر هزيمة بكل دولهم وجيوشهم وعلى رأسها مصر وسورية والعراق والسعودية والأردن. انهت اسرائيل الحرب في ستة ايام احتلت فيها الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء وصولا الى قناة السويس ومرتفعات الجولان السورية .تلك الحرب وتلك الهزيمة لم تحدث صدفة او مجرد جيش مهزوم وجيش منتصر بل كان التخطيط لها منذ نهاية العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 حين برزت امريكا وروسيا كقوتين عظميين حلتا محل الاستعمار القديم المتمثل بفرنسا وبريطانيا العظمى. تلك القوتان الجديدتان تبنتا حماية الكيان الصهيوني الحديث التكوين (1948)، امريكا بالسلاح والمعدات والمساعدات المالية الهائلة وروسيا بالبشر والقوة المحاربة وطبعا بقية الدول الغربية وبعض الدول العربية ايضا التي رفدت الكيان الجديد بالمورد البشري المهم جدا للانتصار في اية حرب يخوضها ذلك الكيان مع محيط عربي معادي فيه من القوة البشرية ما لا يمكن لاسرائيل ان تقاومه لوحدها.

بعد حرب الستة ايام ادركت اسرائيل ومن ورائها امريكا والمؤسسات الصهيونية العالمية المتمثلة بالكارتلات الاقتصادية الضخمة والماكنة الاعلامية الهائلة التي يملكها صهاينة لا يعيشون في اسرائيل، ادركوا ان العرب لا يمكن ان يرضوا بالهزيمة هكذا وانهم سيستخدمون عامل الزمن الذي هو لصالحهم في تقوية دولهم وجيوشهم وتحالفاتهم الدولية الى ان يحين الوقت للرد العسكري واستعادة التوازن الذي تخلخل بسبب الهزيمة القاسية التي تكبدوها في حزيران من عام 1967. لذلك لم يقنع الاستراتيجيون الصهاينة في اسرائيل وامريكا بالنصر المبتور الذي حققه الجيش الاسرائيلي ووضعوا الخطط التي تضمن لهم استحالة نشوب حرب يتمكن فيها العرب من تحقيق نصر حقيقي عليهم. عرف الصهاينة والأمريكان ان القوة العربية المتمثلة بعدد السكان الهائل والثروات الهائلة التي يمتلكها العرب ونمو علاقات العرب مع قوى معادية لأمريكا متمثلة بالمعسكر الشيوعي  وكذلك الموقع الجغرافي المتميز للدول العربية ومن ورائهم العالم الاسلامي كله سيكون اكبر خطر على مشروعهم الاستيطاني في قلب الوطن العربي في فلسطين وبرغم الانتصار الكبير الذي حققته اسرائيل على العرب فان ذلك الخطر لم يزل قائما لأن مصر – اكبر قوة عربية - يمكنها ان تستعيد عافيتها وقوة جيشها بسهولة بالتزامن مع نمو البلدان العربية الأخرى مع زيادة استغلال الثروات البشرية والنفطية وكذلك الشعور القومي الذي ازداد قوة بعد هزيمة السادس من حزيران 1967. كل ذلك لم يغب عن بال المخططين . لذلك وضعوا نصب اعينهم اهداف استراتيجية عليا تمتد عقود من الزمن لتحقيقها على مراحل زمنية من خلال اهداف مرحلية تكمل احداهما الأخرى. كانت تلك الحسابات تأخذ بنظر الاعتبار كل الاحتمالات الممكنة والخطط البديلة والعوامل الجغرافية والتاريخية واللوجستية مع التطور التقني والعلمي والاقتصادي. لم تغفل شيئا يمكن ان يعرقل او يوقف تنفيذها. كان من ابرز الاهداف المرحلية للمخطط الصهيو-امريكي يتلخص فيما يلي:

  1. اخراج اكبر قوتين او ثلاث قوى عربية من الصراع العربي الاسرائيلي باي ثمن. كانت تلك الدول المستهدفة هي مصر والعراق وسوريا حيث الشعور القومي القوي بين ابناء شعوبها وارتباطها الروحي والديني بالمقدسات الاسلامية المتمثلة بالقدس التي يعتبرونها ملكا للمسلمين والعرب وانها مغتصبة من قبل اعداء الاسلام والكفار. بالاضافة الى ان تلك الشعوب تعتبر رافدا للمثقفين والعلماء وشعوبا حية وذكية يمكنها ان تتحول الى خطر لوجستي حقيقي على وجود الكيان الصهيوني الضعيف بشريا واقتصاديا والمعتمد كليا على امريكا والغرب في استمراره. وكانوا يدركون ان الزمن ليس في صالحهم ان لم ينفذوا مخططهم الكبير بحذافيره وصولا الى ارغام العالم العربي والاسلامي (حكومات وشعوبا) على القبول بواقع وجود الكيان الصهيوني كدولة حقيقية وجزءا من دول الشرق الأوسط.

  2. ايجاد عدو آخر للعرب – عدو غير تقليدي - يهدد وجودهم ودولهم ويشغلهم عن اسرائيل ومحاربتها على شرط ان يكون هذا العدو شرسا وقويا لا يمكن للعرب ان يهزموه مشتتين متفرقين.

  3. العمل على ان يكون كل او اغلب الحكام العرب وجيوشهم او من يتحكم فيها تابعين وعملاء قدر الامكان اما لامريكا او لمؤسساتها المخابراتية. وكان هذا الجزء اخطر ما في المشروع كله لأنه يمنحهم الأدوات الفاعلة في تنفيذ اية خطة مرحلية او استراتيجية.

  4. العمل على استحالة تمكين اية دولة عربية من امتلاك ناصية العلم والصناعة وخاصة فيما يتعلق بالصناعة العسكرية المتطورة والثقيلة والقوة الجوية والصواريخ والأقمار الصناعية واسلحة الدمار الشامل.

  5. استخدام الاعلام المكثف لترسيخ فكرة التقسيم الجغرافي للدول العربية وتغذية الصراعات الحدودية والقومية بين الدول العربية ولاحقا تغذية النزاعات الطائفية في البلدان العربية التي تضم اكثر من مذهب او قومية او دين.   

فيما يخص النقطة الأولى وبعد وفاة جمال عبد الناصر المهزوم عسكريا – والذي اثيرت الشكوك حول اسباب وفاته – جاء الى الحكم رجل امريكا واسرائيل في مصر وهو المرحوم انور السادات. كان السادات يدعو دائما الى الانفتاح على الغرب وتحويل الاقتصاد المصري من الاشتراكية الى الرأسمالية، وهو ما حدث فعلا بعد توليه السلطة، وكان يؤمن بامكانية التعايش مع اسرائيل وقبول العرب بها كدولة مع استعادة الأراضي التي احتلتها اسرائيل  واعطاء الفلسطينيين حقوقهم في اقامة دويلة باي شكل من الأشكال وتقاسم او تدويل مدينة القدس لحل مشكلة تمسك المسلمين بها كقبلة مقدسة لا يمكن التفريط بها. لكن السادات كان يعرف انه لن يستطيع تحقيق المصالحة مع اسرائيل دون استعادة كرامة الجيش المصري المهزوم وانه لن يحصل على ما يريده من اسرائيل دون ان يكون في موقع قوي او على الأقل مساو لاسرائيل لكي يفاوضهم ويعطيهم ما يريدون مقابل ان يأخذ هو ما يريد. لم يكن في مخططه ان يمحو اسرائيل من الوجود او يرميهم في البحر كما كان سلفه عبد الناصر وكذلك لم يكن يطمح الى استعادة فلسطين كلها باعتبار ان الكيان الصهيوني – كما كان كل العرب يؤمنون – هو كيان مغتصب ودولة غير شرعية فرضها الغرب على العرب لتقسيم دوله المشرقية عن المغربية وزرعه في قلب الوطن العربي لحماية المصالح الغربية واسواقهم في تلك المنطقة الحيوية من العالم. لذلك قام بالتنسيق مع امريكا وروسيا ليساعدوه في تحقيق ما يصبو اليه على ان يزودهم بكل المعلومات التي ستتضمنها خطته لكسب حرب محدودة يستعيد فيها سيناء. كان الاتفاق من السرية بحيث ان حتى الحكومة الاسرائيلية لا تعلم به – او على الأقل لا تعلم توقيتاته واهدافه النهائية، لكي تتحقق المباغتة وتبدو الحرب القادمة حقيقية بما يكفي لجعل السادات بطلا مصريا وقوميا وصانعا للنصر الذي تاقت له ضمائر كل عربي من محيطه الى خليجه. وفعلا اندلعت حرب السادس من تشرين الأول (اكتوبر) (العاشر من رمضان) من العام 1973 حين اندفع الجيش المصري بكامل معداته وقوته ليعبر الى الضفة الشرقية من قناة السويس ويدمر القوات الاسرائيلية المتجحفلة خلف سد بارليف المنيع الذي دمرته القوات البرية وقضت على كل نقاط المراقبة عليه. استمرت القوات المصرية بالتقدم في عمق سيناء الى ان سيطرت على كل الأراضي التي خسرتها مصر في حرب الستة ايام. كانت امريكا وروسيا ايضا تراقبان ما يجري من خلال الأقمار الصناعية – التي كانت بدائية نوعا ما – وتنتظر ان يتوقف الجيش المصري عن التقدم تجاه غزة وحدود اسرائيل. لكن السادات لم يستطع ايقاف التقدم المدهش الذي يحققه الجيش المتعطش لتحقيق نصر على العدو الصهيوني وخاصة ان قادة الجيش المصري لم يكونوا يعلمون بالاتفاق بين السادات وامريكا وروسيا. كان لا بد من ايجاد طريقة لوقف تقدم الجيش وقلب المعادلة العسكرية لصالح الجيش الصهيوني. شجعت روسيا السادات على الاستمرار في التقدم لكي يكون في موقع قوي حين تقف الحرب ويتفاوض من موقع القوة ، وبذلك تكون قد تجاوزت على الاتفاق المعقود مع الأمريكان. كان السوفييت يعتقدون ان امريكا فقدت السيطرة على الحرب وانها لن تتمكن من فرض وقف النار على السادات الذي وصلت جيوشه الى مشارف غزة. فشلت القوة الجوية الاسرائيلية في السيطرة على اجواء المعارك بسبب الصواريخ المضادة للجو التي زودت روسيا مصر بها وكذلك فاعلية الطائرات المصرية – الروسية الصنع - وتفوقها على الطائرات الاسرائيلية – الأمريكية الصنع – وبسالة الطيارين المصريين والعراقيين الذين شاركو بفاعلية في تلك الحرب. فجأة وبدون اية مقدمات تغيرت الصورة على ارض المعركة. اندفعت كتيبة دبابات اسرائيلية من ثغرة صغيرة من منطقة في جنوب سيناء والبحيرات تسمى الدفرسوار – حصلت على المعلومات بوجودها من امريكا-  وادامت الزخم لتطوق الجيش الثالث المصري وتعزل كل القوات التي تقدمت باتجاه الأراضي العربية المحتلة. اضطرت امريكا لهذا العمل العسكري بالاتفاق مع السادات الذي اخبرهم انه لن يستطيع ان يوقف التقدم المصري والا اتهم بالخيانة العظمى وانه لكي يوقف ذلك التقدم ومن بعده الحرب لا بد من سبب قوي يرغم القادة العسكريين على القبول بوقف لاطلاق النار. صدر قرار وقف اطلاق النار من مجلس الأمن الدولي المرقم 338 الصادر في 22 تشرين الأول (اكتوبر) من العام 1973 والذي نص على وقف اطلاق النار الكامل في مدة لا تتجاوز 12 ساعة وفي المواقع التي تحتلها كل من الدولتين المتحاربتين وان تبدءا مفاوضات شاملة لتنفيذ قرار مجلس الأمن 242 الصادر في 1967 بعد حرب حزيران.

تحقق للسادات ما اراده من تلك الحرب حيث اصبح بطل الحرب الذي استعاد سيناء وكرامة الجيش المصري ومهد الطريق لخروج مصر من الصراع العربي الاسرائيلي – كما كان مرسوما له كما ذكرنا سابقا – الى الأبد وكان ذلك النصر المزعوم وحرب التحريك (لا التحرير) ثمنا لضياع القضية الفلسطينية – قضية العرب الأولى – وكانت مجرد الخطوة الأولى – والمهمة جدا ايضا – في مسيرة انهاء ذلك الصراع لصالح الكيان الصهيوني. لو نظرنا الى ما جرى سنعرف ان اسرائيل لم تخسر شيئا في حرب اكتوبر فكل ما اعطته لم يكن لها اصلا وبقيت تحتل كل الأراضي الفلسطينية – الضفة الغربية وغزة والقدس – ومرتفعات الجولان السورية. كل ذلك مقابل ثمن لم تكن تحلم به ابدا وهو خروج اكبر قوة عربية مواجهة ومجاورة لاسرائيل وهي مصر، من الصراع الذي كان مرجحا ان ينتهي يوما لصالح العرب لو بقي الحال كما هو قبل توقيع معاهدة السلام في كمب ديفيد بين مصر واسرائيل برعاية امريكية.

انتهت الصفحة الأولى من الخطوة الأولى الأساسية للمخطط الصهيو – امريكي باخراج مصر رسميا والى الأبد من المواجهة العربية الاسرائيلية.

Heading 2

الصفحة الثانية كانت اخراج القوة العربية الثانية – العراق – من المواجهة مع اسرائيل.

كان العراق يشكل اكبر خطر على وجود الدولة الصهيونية بعد مصر وذلك لما يتمتع به من ثروات طبيعية وثروة بشرية وجيش مشهود له ومتمرس بالقتال والمواجهة من خلال حرب الشمال مع المتمردين الأكراد اضافة الى ان الشعب العراقي معروف بتعاطفه الكبير مع القضية الفلسطينية والأهم من ذلك الشعور القومي المتميز للعراقيين وحلمهم بتوحيد الدول العربية مع مجيء نظام حكم يقوده حزب شمولي قومي اهم اهدافه تحقيق الوحدة العربية واستعادة الحق العربي في فلسطين من النهر الى البحر وكان التثقيف المستمر في صفوف الحزب والشعب هو تلك المفاهيم القومية الجارفة مما شكل هاجسا وصداعا دائما للأمريكان والاسرائيليين. لذلك وضعوا جل اهتمامهم في وضع الخطط المناسبة لانهاء العراق كقوة مواجهة مع اسرائيل.

 لم تكن لاسرائيل حدود مواجهة مع العراق ومع ذلك كانت تخشى من تعاظم قوته المادية والصناعية والحضارية التي ان استمرت صعودا ستؤثر على بقية الدول العربية المحيطة به ويصبح بؤرة اشعاع قومي وحضاري سرعان ما ينتشر في الدول العربية المحيطة باسرائيل وكلها تضمر العداء لها وتتمنى زوالها. وتعرف ايضا انه لا يفصلها عن العراق غير دولة صغيرة هي الأردن التي لن تقف عقبة كبيرة في طريق صواريخ وطائرات وحتى القوات البرية والدروع العراقية اذا قررت التحرك فيما اذا ترك العراق يبني قوته بعيدا عن اية مواجهات جانبية خارجية – ايران - او داخلية – الأكراد والأحزاب المناوئة – خاصة ان كل مقومات البناء موجودة وبوفرة ايضا. لم يكن ينقص العراق بقيادة حزب البعث غير الزمن اللازم لاكمال بناء دولة قوية وغنية لها تأثير كبير وواضح في محيطها العربي والاقليمي. وكان ذلك الزمن المطلوب حيويا ولا مجال للتهاون في استغلاله من قبل القيادة البعثية وكانت اسرائيل ومن ورائها امريكا تدرك اهميته وتسابق الزمن من اجل ايقاف تلك المسيرة المخيفة التي لو فلتت ونجحت لتغيرت الموازين الاقليمية والدولية كلها ولكان لكل حادث حديث. 

 لا يخفى على اي متتبع للشأن العراقي كيف اصبح وضع العراق بعد استلام حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة في انقلاب السابع عشر من تموز عام 1968 على حكم عبد الرحمن عارف – الضعيف نسبيا – حيث واجه الحزب تحديات كثيرة في الداخل والخارج، اول تلك التحديات كانت محو الصورة السيئة التي حملها العراقيون للحزب عند استلامه السلطة في انقلاب الثامن من شباط الدموي لعام 1963 على المرحوم عبد الكريم قاسم بمساعدة رفيق دربه عبد السلام عارف – القومي الناصري التوجه – حيث نفذ الحزب الاعدامات والاعتقالات والتعذيب لخصومه الشيوعيين وشكل ما كان يسمى بالحرس القومي الذي سيطر على بعض مراكز الشرطة في بغداد واخذ يعتقل السياسيين من خصوم الحزب. وانتهى ذلك الانقلاب الدموي عندما انقلب عبد السلام عارف (الذي كان رئيسا للجمهورية بلا صلاحيات) على الحزب وقام بانقلاب عسكري ضده بالاتفاق مع قادة الجيش ورئيس الوزراء احمد حسن البكر الذين كانوا غاضبين من ممارسات الحرس القومي، في الثامن عشر من تشرين الثاني عام 1963. والتحدي الثاني كان اصلاح النظام الاداري وتنقيته من رجالات العهد العارفي واستبدالهم بالبعثيين المتمرسين في الادارة والنظام الاداري. التحدي الثالث والكبير كان انهاء التمرد الكردي في الشمال الذي انهك الحكومات العراقية المتعاقبة وسبب للعراق خسائر مادية وبشرية كبيرة. لم يكن ذلك هدفا سهل المنال بوجود الدعم الايراني الكبير للملا مصطفى البرزاني – قائد التمرد الكردي – من قبل نظام شاه ايران الذي كان يعتبر القوة العسكرية الكبرى في منطقة الشرق الأوسط وذراع امريكا للسيطرة على الخليج العربي وكان يعرف بشرطي المنطقة والعصا الغليضة التي يلوح بها الغرب كلما هبت رياح المعارضة لوجوده في المنطقة – الدول العربية خاصة – كما كانت علاقات الشاه باسرائيل جيدة جدا. ولأجل تحقيق ذلك الهدف عمد الحزب اولا الى محاولة اقناع الاكراد بقبول الحكم الذاتي لمنطقة كردستان العراق والذي كان يعتبر نموذجا رائعا وفريدا لاطار الحكم الذاتي في المنطقة كلها ولكن حال دون تنفيذه مشكلة كركوك الغنية بالنفط والتي يعتبرها الأكراد جزءا من منطقة الحكم الذاتي بل عاصمة له بينما يعتبرها بقية ابناء الشعب العراقي منطقة عراقية ونموذجا للتعايش بين كل مكونات الشعب العراقي من العرب والأكراد والتركمان وبقية المكونات العرقية والدينية. وبسبب رفض الأكراد للتسوية والقبول بصيغة الحكم الذاتي بحسب بيان الحادي عشر من آذار لعام 1975 اضطر الحزب الى القبول بما كان شاه ايران يريده من العراق وهو تقسيم شط العرب مناصفة بين ايران والعراق، بعد ان كان النهر بضفتيه تابعا للعراق حسب المعاهدات السابقة بين العراق وايران.

 توسط الرئيس الجزائري المرحوم هواري بو مدين بين البلدين وتم توقيع اتفاقية الجزائر في السادس من أيار (مارس) لعام 1975 ووقعها عن العراق نائب رئيس الجمهورية المرحوم صدام حسين وشاه ايران المرحوم محمد رضا بهلوي. مع توقيع الاتفاقية انتهت حركة التمرد في الشمال وهرب الملا مصطفى البرزاني الى الاتحاد السوفيتي والقى بقية المتمردين الأكراد السلاح واستتب الأمن في العراق داخليا ولم يعد هنالك تهديد خارجي من الجارة الشرقية التي كانت دائما شوكة في خاصرة العراق.

اما التحدي الرابع والمهم فكان تأميم النفط واستعادة السيطرة على ثروة العراق الهائلة من الشركات الاحتكارية الغربية وفي العام 1972 في الأول من حزيران اصدر مجلس قيادة الثورة قرارا بتأميم عمليات شركة نفط العراق (IPC) المحدودة.

بدأ حزب البعث الحاكم في العراق حملة تنمية انفجارية شملت كل شيء، التعليم والجيش والصناعة والزراعة والفن والعلوم والبناء والتكنلوجيا – كل شيء تقريبا واستطاع في سنوات قليلة ان ينقل العراق من دولة من العالم الثالث الى دولة على حافة العالم المتقدم – حيث ارتفعت مداخيل العراق من النفط ليصبح قوة مالية كبيرة جدا حيث كان رصيده من العملات الصعبة قبل الحرب العراقية الايرانية تبلغ حوالي 35 مليار دولار امريكي وكان ذلك يعتبر مبلغا مهولا يساوي ما تملكه عدة بلدان غنية. وتهافتت الشركات الأجنبية للفوز بالعقود المليونية والمشاريع العمرانية والصناعية والزراعية التي اطلقها العراق فبنيت الطرق السريعة التي ربطت مدن العراق من غربه وشماله الى اقصى جنوبه وانشأت مصانع السيارات الانتاجية ومصانع الحديد والاسمنت والبتروكياويات ومصافي النفط والعمارات السكنية والجامعات وحفرت آبار النفط في حقول كثيرة بايدي عراقية من قبل شركة النفط الوطنية وانشأت شركات معمارية وهندسية تكفلت ببناء المصانع والجسور والطرق. اولت القيادة العراقية اهتماما كبيرا بالجيش وعقدت الصفقات الجبارة مع المعسكر الاشتراكي – روسيا والمانيا الشرقية وجيكوسلوفاكيا – لشراء احدث الأسلحة والتجهيزات وارسلت الضباط الى مختلف وارقى الكليات الحربية في العالم لينهلوا من العلوم العسكرية المتطورة كما اهتمت بالقوة الجوية واستوردت احدث الطائرات المقاتلة وارسلت الطيارين باعداد كبيرة للتدريب على قيادتها.

كان الغرب واسرائيل يراقبون ما يحدث في العراق باهتمام ويعرفون توجهات قيادته العروبية والقومية فاصبح يشكل خطرا حقيقيا على اسرائيل خاصة انه كان يعتبر القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية ويرفض المساومة على حقوق الشعب الفلسطيني ويدعم المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح والاعلام. كما ان العراق بنهضته المتميزة اصبح محط انظار بقية الدول العربية وكانت العمالة العربية – المصرية والمغربية والسودانية - تدخل للعمل والسكن باجور مجزية وتتنقل بلا قيود ولا تأشيرات دخول.

دق جرس الخطر لدى الدوائر الغربية والصهيونية واصبح لزاما ايجاد وسيلة لايقاف النهضة العراقية فبدأت الصفحة الثانية التي اعدت لها دوائر المخابرات الصهيونية والأمريكية منذ توقيع اتفاقية الجزائر وموقف العراق بالاتفاق مع السعودية في حرب السادس من اكتوبر بالتهديد بايقاف تصدير النفط.

كان شاه ايران، بعد اتفاقية الجزائر، قد بدأ يتقارب مع العراق والسعودية فيما يخص النفط والتصدير وكانت هذه الدول الثلاث تشكل اكبر منتج ومصدر للبترول في العالم. لكن الشاه لم يدرك ان الشعب الايراني كان يعيش الجهل والفقر في معظم مدنه وقراه وكان رجال الدين الشيعة يحضون بقدسية لدى العامة كما ان المعارضة الايرانية في الداخل كانت مدعومة من المعممين وتنتظر الفرصة والظروف المناسبة للانقضاض على نظام الشاه المستبد والذي كانت دوائر الغرب تحمي نظامه وتمده بالسلاح والخبرات لأنه ينفذ دور الشرطي في المنطقة بالنيابة عنها.  

قرر الغرب بقيادة بريطانيا وفرنسا – وامريكا ايضا – التخلص من الشاه وقطع الطريق على الدول الثلاث – العراق وايران والسعودية – في عمل كارتل اقتصادي ومن بعده ربما سياسي، يصعب الوقوف بوجهه كما هو الحال اليوم مع الصين، وكانت الطريقة هي دعم المعارضة الايرانية في الداخل والخارج والمجيء بنظام ثيوقراطي متطرف يقوده رجال الدين الشيعة مستغلين الحالة المعيشية المتردية للشعب الايراني وغضب الفقراء والأحزاب اليسارية التي تقود المعارضة للاطاحة بنظام الشاه. وهكذا كان، حيث ثار الشعب الايراني وخرج الى الشارع في مظاهرات بدأت في كانون الثاني من عام 1978 واستمرت الى شباط من نفس السنة. كان الخميني – وهو رجل الدين الشيعي المتطرف – في فرنسا بعد ان تم نفيه من قبل نظام الشاه واقام في العراق خمسة عشر عاما في النجف الأشرف وكان ورقة ضغط بيد حكومة البعث ضد الشاه – ولما تم توقيع اتفاقية الجزائر بين العراق وايران اشترط شاه ايران – او طلب من صدام حسين ان يسلم الخميني لايران، غير ان حزب البعث رفض ذلك باعتباره لاجئا ولكنه تعهد بمنعه من ممارسة اية نشاطات سياسية ضد الشاه ونظامه، ولم يقبل الشاه بهذا الاجراء وطلب اما تسليمه او ابعاده من العراق. وكان له ما اراد حيث ابعدته السلطات العراقية من البلاد وحاول الخميني دخول الكويت ولكن قوبل طلبه بالرفض فغادر الى باريس وهناك حصل على دعم كبير من فرنسا حيث كان يرسل من هناك خطبه الحماسية ضد الشاه في كاسيتات تذاع على الشعب الايراني.

انتهى نظام الشاه الى الأبد وتوجت الثورة الايرانية بوصول الخميني على متن طائرة فرنسية بدعم كبير من المخابرات الفرنسية – ومن ورائها الصهيونية – حيث كانت المشروع الصهيو- امريكي يمضي في طريقه دون معوقات تذكر، في غفلة كبيرة من حكام وانظمة الدول العربية المستبدة. سارعت الكثير من الدول العربية بالترحيب بالثورة الايرانية مثل ليبيا والجزائر والسودان وسوريا وتحفظت دول الخليج عليها. اما العراق، بقيادة البعثيين فقد ادرك مبكرا خطر تلك الثورة على العراق خاصة انه يعلم ان الخميني – الذي اصبح زعيم تلك الثورة – يضمر الحقد والكراهية للبعثيين وللعراق الذي اخرجه من النجف بسبب تقاربه مع الشاه، وانه بسبب الحدود الشاسعة التي تربط البلدين وبسبب وجود التعاطف المذهبي لشيعة العراق في الجنوب والوسط، سيسبب للحكم مشاكل كبيرة وخاصة بوجود حزب طائفي سياسي معارض للنظام وهو حزب الدعوة بقيادة رجل الدين الشيعي محمد باقر الصدر الذي سارع الى تاييد الثورة الخمينية فور اندلاعها ووعد بانه سيكمل مشوار الثورة في العراق في برقية ارسلها للخميني وكشفتها المخابرات العراقية، مما دعى السلطات في العراق الى اعتقال الصدر ومن ثم اعدامه بسبب تهمة الخيانة العظمى والاتصال مع بلد اجنبي لقلب نظام الحكم. ولكن ذلك الاجراء ادى الى استياء كبير وغضب في الأوساط الدينية الشيعية والشارع الشيعي استغله حزب الدعوة في تنفيذ عمليات ارهابية ومحاولات اغتيال للمسؤولين في السلطة – واشهرها محاولة اغتيال المرحوم طارق عزيز اثناء زيارته للجامعة المستنصرية في العام 1979 وقتل فيها عدد من الطلاب ونجا من المحاولة طارق عزيز.

كان صدام حسين – رجل الحكم الأول في العراق يحظى بشعبية واسعة وقوة لا يضاهيها احد من رجال حزب البعث وهو معروف بصرامته وقسوته مع معارضيه – سواءا البعثيين او غيرهم – وكان يمسك باهم مفاصل الدولة – العسكرية والمخابراتية والحزبية وكان لا يتردد في تصفية كل من يعتقد انه يعارضه. لم يكن احد من المسؤولين يجروء على معارضته او الوقوف بوجهه. في العام 1979 حصل تقارب كبير بين قيادتي حزب البعث في العراق وسوريا بقيادة حافظ الأسد الذي كان يناصب صدام حسين وحزب البعث في العراق العداء والقطيعة منذ الستينات. رأت قيادة الحزب في العراق ان خير طريقة لمواجهة الخطر القادم من ايران بعد الاطاحة بالشاه ومجيء الخميني – الذي اطلق شعار تصدير الثورة – وشعار ان الطريق الى القدس يمر من كربلاء – هو التقارب العربي وتشكيل قوة عربية لمواجهة ذلك الخطر. بعد مفاوضات بين العراق وسوريا توصل الطرفان الى اعلان توحيد حزب البعث وقيادته فيما كان يعرف بالميثاق القومي الوحدوي. كان كل اعضاء القيادة في العراق ومن ضمنهم الرئيس احمد حسن البكر مرحبين بالتقارب مع البعث في سوريا وتوحيد القيادتين لأنهم ادركوا ان ذلك سيعود بالفائدة العظيمة على كلا البلدين وسيكون اختبار جدي وحقيقي لقوة حزب البعث على الساحة العربية والقومية. ولكن للاسف لم يعجب ذلك التقارب صدام حسين لأنه كان يعلم ان دوره كقيادي اول وعلى راس الهرم سينتهي بمجرد دخول حافظ الأسد – المعروف بدهائه وخبثه – وان مقاليد الحكم ستفلت من يده. تحرك صدام حسين بسرعة وارغم احمد حسن البكر على التنازل عن الرئاسة وتسليم السلطة اليه في السادس عشر من تموز من نفس السنة ومن ثم فبرك موضوع المؤامرة على الحزب والثورة من قبل بعض اعضاء القيادة بالاتفاق مع حافظ الأسد، ودعى الى اجتماع للقيادة القطرية والقومية للحزب في الثاني والعشرين من تموز (يوليو) وادعى انه كشف مؤامرة من داخل الحزب وطابور خامس يهدف الى الاطاحة بالحزب. وفيه القى القبض على عدد كبير من اعضاء الكادر المتقدم والمسؤولين في القيادتين والوزراء فيما يعرف بمجزرة الرفاق، ومن اهمهم – المرحوم عبد الخالق السامرائي عضو القيادة القومية للحزب (الذي كان مسجونا على خلفية احداث مؤامرة ناظم كزار في عام 1973) ومحمد محجوب وعدنان الحمداني وغيرهم. بلغ عددهم 22 قياديا اعدموا كلهم، كما تم تصفية المئات من البعثيين واصبح صدام حسين الحاكم المطلق للعراق وكان ذلك اشبه بما حدث في ليلة السكاكين الطويلة في المانيا النازية   في الثلاثين من حزيران والثاني من تموز سنة 1934التي ذبح فيها هتلر كافة معارضيه في (Nacht der langen Messer)الحزب النازي ليصبح الحاكم المطلق للحزب والمانيا.

كان السبب الرئيسي لتنحي احمد حسن البكر عن السلطة هو رفضه القاطع  لفكرة صدام حسين في مواجهة الخميني ونظامه من خلال الحرب. اعتقد صدام حسين ان الضربة الوقائية ستمنع الايرانيين من اثارة الفتنة في العراق واشعال ثورة ضده من قبل الشيعة في العراق وهو بذلك – كما كان يظن – يتبع خطى اسرائيل في حرب عام 1967 حيث استبقت الحرب التي كان يهيء لها جمال عبد الناصر وضربت الجيش المصري ضربة خاطفة قلبت موازين الحرب كلها. غير ان صدام حسين – للأسف – لم يحسبها بشكل صحيح ولم يخطر بباله ان دخول الحرب مع ايران كان معدا له في الدوائر الغربية والصهيونية وان الهدف منه كان القضاء على قدرة العراق العسكرية والاقتصادية واعادة البلد الى الوراء بعد ان وصلت النهضة الاقتصادية فيه الى الخطوط الحمراء.

في ذلك الوقت كانت ايران قد بدأت بالفعل التحرك العسكري ضد العراق فاحتلت بعض المخافر الحدودية وبدأت المدفعية الايرانية بقصف بعض القرى العراقية والقطعات الحدودية، كذلك اوعزت الى حلفائها في الداخل العراقي من اعضاء حزب الدعوة بالشروع في تنفيذ عمليات اغتيال وتفجيرات في بغداد لاثارة الشارع وخلق البلبلة وصرح الرئيس الايراني ابو الحسن بني صدر قائلا: "لو تحرك الجيش الايراني نحو الحدود فلن استطيع ايقافه الى ان يصل الرطبة (المدينة الحدودية بين العراق وسوريا في اقصى غرب العراق) كما وجه الخميني نداءا الى العراقيين لكي يصعدوا الى سطوح المنازل ويكبروا (الله واكبر) وان يمتنعوا عن دفع فواتير الماء والكهرباء. وكل ذلك كان لدفع القيادة العراقية الى الرد المتسرع والدخول في حرب طويلة تنهك العراق من كافة النواحي – وهذا ما خططت له الصهيونية والغرب لاجهاض ما تم من انجازات في العراق. ارتأت القيادة العراقية آنذاك ان يصبروا على العدوان الايراني ويلجأوا الى الأمم المتحدة ليكسبوا التعاطف الدولي ولكن ذلك لم يرق لصدام حسين الذي كان يرى بوجوب مهاجمة ايران بضربة وقائية قبل ان يحشدوا الجيش وعندها سيكون من الصعب جدا التصدي لهم بسبب قرب الحدود البرية من العاصمة بغداد وعدم وجود عمق سوقي للجيش العراقي وكذلك كون اغلب المدن والمحافظات الجنوبية المحاذية لايران من الشيعة المتعاطفين مع الثورة الايرانية.

حسم الأمر بالانقلاب الذي نفذه صدام حسين على حزب البعث وتنحية احمد حسن البكر وفي الثاني والعشرين من ايلول من عام 1980 هاجمت القوات العراقية المرابطة على الحدود مع ايران القطعات الايرانية واستولى على ما يقارب 15000 كيلومتر مربع من الأراضي الايرانية كما دخل مدينة المحمرة على الجهة المقابلة من شط العرب. كان للخميني – ومن ورائه الغرب والصهيونية العالمية – ما اراد حيث قال في كلمة له بعد اندلاع الحرب "الخير فيما وقع" متناسيا ان تلك الحرب ستجلب الويلات والموت والدمار للبلدين الجارين.

كنت استمع في احدى المرات لاذاعة الب بي سي البريطانية وكانت الحرب قد مضى عليها بضعة اشهر ونقلت الاذاعة تصريحا لمسؤول امريكي عن الحرب العراقية – الايرانية، فاجاب بلهجة الواثق من كلامه "ستكون حربا طويلة وطاحنة" علما انه كانت هنالك مبادرات حقيقية وكان العالم يترقب اعلان وقف اطلاق النار في اية لحظة. حينها ادركت وادرك معي العارفون ببواطن الأمور ان تلك الحرب لم تات صدفة او نتيجة نزاع حدودي وانما كانت مرسومة بدقة حتى امدها كان مرسوما. رسمته الكارتلات وشركات الأسلحة الكبرى والدوائر الصهيونية التي ارعبها ما وصل اليه العراق من نضوج وتنمية بحيث دخل الحرب ولديه من الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية ما يعادل 35 مليار دولار وكان مبلغا ضخما يعادل ميزانيات عدة دول في اسيا وافريقيا. وكان العراق قد نال لقب افضل دولة في التعليم في المنطقة واسيا ولم تعد فيه امية (3% من مجموع السكان فقط) واصبح الناتج المحلي من الصناعة والزراعة يبلغ اكثر من 25% من الميزانية السنوية وانشئت الطرق السريعة والجسور والمصانع وكانت بحق تنمية انفجارية شدت اليها انظار العالم كله. بلغت العمالة العربية ارقاما فاقت الملايين وارتفع دخل المواطن الى خمسة اضعاف ما كان عليه قبل عام 1972.

بعد انتهاء تلك الحرب المدمرة في الثامن من آب (اغسطس) سنة 1988 بعد قبول الطرفين بقرار مجلس الأمن الدولي المرقم 598 لسنة 1987 خرج العراق هزيلا ضعيفا وجيشه منهك بخسائر فاقت 340 الف قتيل و 700 الف من المعوقين والجرحى واليتامى والأرامل و400 الف لاجيء وديون خارجية فاقت 130 مليار دولار وحوالي سبعون الف اسير حرب معظمهم قضى فترات طويلة في اقفاص الأسر واستطاعت ايران تجنيد المئات بل الآلاف منهم ليصبحوا فيما بعد عملاء لها في العراق.

انتهت الصفحة الثانية من المرحلة الأولى من المخطط الصهيو-امريكي بانهاك اكبر قوة عربية – بعد مصر – كان بامكانها التصدي لاسرائيل. لكن تلك المهمة لم تكتمل للاسباب التالية:

  • خروج العراق منتصرا من تلك الحرب الطويلة مما يعني انه يستطيع استعادة عافيته بسرعة بسبب الثروة النفطية الهائلة التي يملكها.

  • انتكاسة ايران وموت الخميني ستجعلها في موقف حرج امام شعبها وامام العالم ولن تستطيع مواجهة العراق عسكريا الا بعد سنين طويلة يكون فيها العراق قد نهض ثانية واستعاد قوته واصبح ميزان القوى يميل لصالحه حيث خرجت ايران من الحرب بخسائر بشرية بلغت حوالي 700 الف قتيل واكثر من مليون وربع المليون جريح ومعوق وحوالي مليوني لاجيء ومدن مدمرة وجيش متعب باسلحة ومعدات قديمة.

  • استحالة الاعتماد على المعارضة الداخلية في العراق بسبب النصر الذي حققه صدام حسين وموت مشروع تصدير الثورة التي تبناها الخميني.

  • وقوف دول الخليج العربي –الغنية بالنفط- مع العراق في حربه ضد المد الصفوي لأنهم يعرفون ان العراق خاض الحرب نيابة عنهم لابعاد الخطر الايراني وانهم سيردون الجميل لصدام حسين على الأقل بالموافقة على انضمام العراق الى مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في الخامس والعشرين من ايار (مايو) لسنة 1981 اي بعد اندلاع حرب الخليج الأولى بسنة تقريبا وعندئذ سيصبح العراق اكثر قوة ومسنود ماديا وبشريا وعمقا استراتيجيا يصعب معه التعامل معه وعزله عن محيطه العربي بدلا من التعامل معه منفردا ومحاطا بالأعداء.

كان لا بد من اكمال تلك الصفحة بالضربة القاضية لأن الضربة التي لا تقتل تقوي المضروب ويكون مستعدا بعدها لتحمل ضربة اقوى. واصبح من الضروري جدا الاسراع بتوجيه الضربة القاضية والعراق لا يزال يترنح من نتائج الحرب. لم يكن امام المخططين الكبار سوى فرصة واحدة وهي توريط العراق بقيادة زعيمه ودكتاتوره صدام حسين في حرب اخرى تنهي ما عملته به حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية – الايرانية).

 من المؤكد ان الحروب التقليدية بين الدول تسببها النزاعات الحدودية او الآيدلوجية او التاريخية او الاقتصادية. كانت العلاقات بين العراق ودول الخليج ممتازة قبل وبعد الحرب وخاصة مع الكويت التي دافع عنها صدام حسين بقوة اثناء الحرب ووقف بحزم امام التهديدات الايرانية لها بحيث ردت القوات الصاروخية العراقية بقوة على قصف طهران لعاصمة الكويت وكذلك ارسلت قواتها الخاصة الى الكويت بعد محاولة اغتيال اميرها جابر الأحمد الصباح من قبل عملاء ايران – ابو مهدي المهندس من حزب الدعوة العراقي -  بسبب مساندة الكويت للعراق في حربه ضد ايران.

غير ان هذا لم يدم بعد ان وضعت الحرب اوزارها حيث تم الايعاز الى الكويت من قبل امريكا بمطالبة العراق بتسديد ديونه لها وكذلك مطالبة العراق بتسوية النزاع الحدودي بين العراق والكويت لأن الكويت كانت تدعي عائدية منطقة صفوان الحدودية لها وكذلك بعض آبار النفط على الحدود المشتركة – حقل الرميلة الجنوبي او حقل الرتقة المشترك. كان العراق مديونا للكويت بمبلغ 60 مليار دولار مساعدات اثناء حربه مع ايران طالبت الكويت بتسديده بينما طالب العراق الكويت دول الخليج والكويت بتخفيض انتاجهم من النفط ليرتفع سعره ويتمكن من تسديد ديونه لهم وتعويض خسائر الحرب، كما طالب صدام دائنيه بالتنازل عن ديونهم بل وتقديم قروض له وتأجير جزيرتي وربة وبوبيان الكويتيتين لاستخدامهما في توسيع موانئه في الجنوب وبناء موانيء لتصدير كميات اكبر من النفط. تصاعدت حدة الأزمة بين العراق والكويت وبلغت ذروتها في بدايات عام 1990 رغم كل الوساطات العربية – الخليجية لتخفيفها. وزاد من حدة التوتر طموحات صدام بتلقين الكويت درسا بسبب رفضها الغاء الديون وتأجير الجزيرتين وكذلك تشجيع الادارة الأمريكية له على دخول الحرب مع الكويت بعد اللقاء الذي جرى مع سفيرة الولايات المتحدة لدى العراق ابريل غلاسبي والتي قالت له ان الولايات المتحدة "ليس لها رأي بشأن صراع عربي – عربي" وفهم صدام حسين هذه الاشارة خطأ وبلع الطعم ظنا منه ان امريكا لن تتدخل اذا هاجم الكويت. كانت طموحات صدام حسين بلا حدود بعد انتصاره الهش على ايران واحس بالغرور وانه اصبح سيد الخليج يستطيع ان يملي ما يريد على حكامه فيطاع امره وكان ذلك قصورا كبيرا بل غباءا منقطع النظير ولم يخطر بباله انه كان ينفذ من حيث لا يدري الخطوة الحاسمة في المخطط الكبير المرسوم منذ الستينات وهي اخراج العراق ،القوة العربية الثانية من دائرة الصراع العربي الاسرائيلي. في صبيحة اليوم الثاني من شهر آب (اغسطس) لعام 1990 اجتاحت قوات الحرس الجمهوري الكويت في سويعات قليلة واحتلتها كلها وكافة المرافق الحيوية من ضمنها دار الاذاعة والتلفزيون وتمكن امير البلاد من الهرب الى السعودية عن طريق البر وتم تنصيب حكومة صورية برئاسة ضابط كويتي يدعى علاء حسين على اساس انه قام بانقلاب ضد امير الكويت وطلب مساعدة العراق. لم تستمر تلك الحكومة الصورية سوى اربعة ايام حيث اعلن العراق في الثامن من نفس الشهر ضم الكويت له واعتبارها المحافظة التاسعة عشر وتم تعيين عزيز صالح النومان – قائد الجيش الشعبي – محافظا للكويت.

جاءت ردود الأفعال بسرعة حيث طالبت الكويت وامريكا بعقد اجتماع طاريء لمجلس الأمن الدولي الذي اصدر قراره 660 شجب فيه الاجتياح العراقي وطالب بانسحابه فورا من دون قيد او شرط وفي السادس من نفس الشهر اصدر المجلس عقوبات اقتصادية بحق العراق. كانت امريكا برئاسة جورج بوش الأب قد باشرت في اليوم الثاني لغزو الكويت بارسال جيوشها الى السعودية بحجة الخوف من تطور الاجتياح العراقي للكويت ليمتد الى السعودية وسيطرت العراق على منابع نفطها مما سيسبب خطرا بالغ الاهمية لمصالح العالم اجمع. لكن الحقيقة كانت غير ذلك تماما، لأن السبب الحقيقي كان تدمير الجيش العراقي واجتياح العراق لاسقاط نظامه والمجيء بنظام موالي للغرب يغير كل التركيبة العراقية لتصبح – كما اصبحت مصر من قبل – خارج الصراع العربي الاسرائيلي. لم يكن ذلك ممكنا دون شن حرب قوية مدمرة تشترك فيها دول كبيرة وكثيرة ومن ثم فرض حصار اقتصادي وعسكري على العراق لانهائه تماما. والغريب في الموضوع هو موقف الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن – خاصة الدول الاشتراكية التي كان من المفروض ان تكون حائط صد امام الهجمة الجبارة ضد العراق الذي كان حليفا لها عسكريا واقتصاديا خاصة الاتحاد السوفيتي الذي كان الحليف القوي لنظام البعث يبيعه السلاح والمواد الزراعية والصناعية حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين ارقاما كبيرة جدا وقد بلغت مبيعات الأسلحة الروسية للعراق بحلول عام 1990 بحدود ثلاثين مليار دولار ونفذت روسيا مشاريع عملاقة في العراق منها مصانع الاسكندرية ومصانع السلاح الخفيف والذخيرة وفي نفس السنة تم شراء ما يقارب ثلاثة آلاف عربة مدرعة ونفس العدد من ناقلات الجنود والمدافع و 4500 دبابة و300 منظومة مضادة للطائرات و 348 مروحية و1000 طائرة مقاتلة و 41 سفينة حربية. ومع ذلك وافق الاتحاد السوفييتي على قرار حظر بيع السلاح للعراق بعد غزو الكويت.

حشدت امريكا اربعا وثلاثين دولة في تحالف دولي هو الأضخم في العالم ضد العراق بالاضافة الى القرارات الدولية التي صدرت ضده والحصار

الاقتصادي المحكم الذي تسبب في تدمير الاقتصاد وحرمان الشعب العراقي من ابسط المواد الحياتية وهبطت قيمة العملة العراقية – الدينار – الى مستويات

 

غير مسبوقة (1 دولار = 3500 دينار) بعد ان كان الدينار الواحد = 3.2 دولار قبيل حرب الخليج الثانية في العام 1991 وانهار الاقتصاد العراقي تماما 

. وتسبب الحصار في موت مليون طفل بسبب نقص التغذية

استمر ذلك الحصار اكثر من عقد من الزمن (ثلاثة عشر عاما) كانت الولايات المتحدة خلالها تهيء المجتمع الدولي والاقليمي وحتى المحلي في العراق لفكرة غزو العراق والاطاحة بحكم صدام حسن بالقوة العسكرية. كان لابد من تبرير قانوني يقبله المجتمع الدولي لذلك الغزو ولم يكن افضل من ادعاء امتلاك العراق لاسلحة دمار شامل – وهو ادعاء ثبت عمليا كذبه بعد الغزو – واشتغلت الماكنة الاعلامية الجبارة في الغرب والشرق لتنشر الأدلة الزائفة من خلال التعليقات وخطابات صدام حسن واستخدام الجيش العراقي للاسلحة الكيمياوية اثناء حرب الخليج الأولى ضد اكراد العراق والتي لم يتم التحقق منها ابدا. كان العراق لا يزال تحت العقوبات الدولية رغم انسحابه من الكويت وتحت البند السابع – الذي يتيح استخدام القوة لارغام البلد على تنفيذ القرارات الدولية. رغم محاولات الحكومة العراقية اثبات زيف الادعاءات الغربية حول امتلاك اسلحة دمار شامل، صممت امريكا ومن ورائها اسرائيل ودول الخليج ومصر على ان العراق يملك تلك الأسلحة ومن الطبيعي ان بعض الشخصيات الدولية والخبراء الذين جندتهم دوائر (سي آي اي) ساعدوا في اقناع العالم بذلك ومنهم رالف ايكيوس السويدي – رئيس لجنة نزع اسلحة الدمار الشامل في العراق – و خلفه ريتشارد بتلر وكذلك المصري محمد البرادعي وغيرهم كثير ممن جندتهم اسرائيل وامريكا لهذا الغرض. وقد وجهت اتهامات كثيرة لتلك اللجان بالتجسس لصالح اسرائيل ونقل المعلومات لها عن العراق  وتعمدها ابقاء ملف اسلحة الدمار الشامل مفتوح رغم تأكدها من خلو العراق منها وكذلك وجهت للجنة تهمة التعدي على سيادة العراق  من خلال اعمال استفزازية وصلت الى حد التنصت على اجهزة ومسؤولي الدولة الحساسة وطلب كل ورقة او مستند له علاقة باية ابحاث تتعلق بالأسلحة وتحول ملف الأسلحة الى وسيلة للتجسس على العراق – تجسس دائمي – ووضعت كاميرات للمراقبة عن بعد وشككت اللجنة بكل ما فعله ويفعله العراق من تحرك سياسي او اقتصادي. كان الغرض الرئيسي من ذلك هو توفير الغطاء القانوني للغزو واقناع العالم بأن زوال النظام العراقي هو الطريق الوحيد لازالة هاجس اسلحة الدمار الشامل عن العالم وان بقاء حزب البعث وصدام حسين في الحكم سيكون تهديدا مستمرا للمنطقة – اسرائيل والخليج – والعالم كله. اما من الناحية اللوجستية فقد اكملت امريكا وحلفاؤها في العالم كافة الاستعدادات العسكرية للغزو حيث تمركزت الأساطيل الحربية وحاملات الطائرات في الخليج العربي والبحر المتوسط وتم تجهيز القواعد العسكرية الأمريكية في قطر – قاعدة العديد والسيلية – وفي تركيا – قاعدة انجرليك في مدينة اضنة – وغيرها من القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة.

بعد تحرير الكويت من الاحتلال العراقي من قبل قوات التحالف وانسحاب الجيش العراقي – الذي تكبد فيه آلاف القتلى والمعدات العسكرية من قبل طيران التحالف الذي كان يهيمن بشكل كامل على كل سماء المنطقة – تخلخل الوضع الأمني الداخلي في العراق واستغلته القوى المعارضة – حزب الدعوة واعوان ملالي ايران – وهاجموا مقرات حزب البعث في النجف وكربلاء والبصرة وقتلوا اعضاء حزب البعث في حملات اعدام جماعية وكذلك شاركوا في قتل الجنود المنسحبين من الكويت وسقطت محافظات الجنوب العراقية بيد هؤلاء المخربين وقطعت الاتصالات بين بغداد وتلك المحافظات وكاد العراق ان يسقط تماما بيد حزب الدعوة العميل لايران لولا تدخل السعودية التي ناشدت امريكا بالكف عن ضرب الجيش العراقي المنسحب واعطاء الفرصة لصدام حسين في استعادة سيطرته على العراق والقضاء على التمرد الذي يوشك ان يطيح بالعراق كله بيد ايران. شعر الأمريكان بانهم ذهبوا بعيدا في حربهم وقرروا الابقاء على نظام البعث – مؤقتا – لحين التحضير الجيد لمن سيخلفه في الحكم بدلا من ترك الأمور تسير دون تخطيط واعطاء المجال لايران في السيطرة على الحكم لتصبح تهديدا جديدا لمصالحها في المنطقة وهو ما لا يمكن ان تقبل به دول الخليج لمعرفتها بالنظام الطائفي في ايران واطماعه الكبيرة.

تمكن صدام حسين من استعادة السيطرة على المحافظات العراقية التي سقطت بيد حزب الدعوة واستخدم في ذلك قوات الحرس الجمهوري التي كانت بكامل عددها ومعداتها لانها لم تشارك في التواجد الفعلي في الكويت. غير ان الكارثة العسكرية التي حصلت انهت تماما قوة العراق العسكرية ومع استمرار الحصار الاقتصادي الرهيب تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي وزادت معدلات الفقر وتدهورت الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء و زاد سخط الشعب العراقي على نظام صدام حسين بسبب سياساته الهوجاء وانفراده بالقرارات المصيرية وعدم اصغائه للخبراء والعسكريين حيث لم يجروء احد منهم على مناقشته او ثنيه عن قرار مصيري يهم البلد ومصالحه العليا. لقد مهد صدام حسين مدفوعا برغبته في قهر المد الايراني الطائفي الهمجي على المنطقة، مهد الطريق لتحقيق اكبر هدف كانت اسرائيل ومن ورائها امريكا والغرب، وهو اخراج العراق من ساحة الصراع العربي الصهيوني بعد ان نجحوا في اخراج القوة العربية الأولى – مصر – من تلك الساحة. لا شك ان صدام حسين كان يعي تماما الخطر الايراني القادم بعد نجاح الخميني وملالي ايران في انتزاع الثورة الايرانية من الشعب الايراني وكان يعرف الهدف من تلك الثورة والذي كان واضحا لكل متفحص ومتابع لمجريات السياسة في المنطقة والعالم. كان اول شعار رفعه الخميني بعد مجيئه هو "تصدير الثورة" ويعني فيما يعني تغيير الأنظمة القائمة – العربية طبعا – وجعل كل تلك الدول تابعة لايران في كل شيء – سياسيا وطائفيا وحتى اجتماعيا. وكان صدام حسين يعرف ان الطريق الذي يمر به المشروع الايراني هو العراق – الذي كان ارضا خصبة جدا لتقبله لأن الشيعة في العراق يشكلون القسم الأكبر من السكان العرب في المحافظات المحاذية للحدود الايرانية. اضافة الى الشعور بالمظلومية لديهم على اعتبار انهم مهمشون او هكذا كان يصور لهم اتباع ايران رغم ان نظام البعث وصدام حسين لم يكونوا طائفيين او يعيروا اهتماما بالدين اصلا.

اشتدت وتيرة الضغط على العراق من خلال اللجنة الأممية للتفتيش وتدمير اسلحة الدمار الشامل في العراق حيث لم تقر اللجنة بخلو العراق من تلك الأسلحة رغم ان اعضاءها كلهم وكل الرؤساء الذين توالوا على رئاستها كانوا واثقين من ذلك ولكن تبعيتهم او اغلبهم الى الارادة الأمريكية والاسرائيلية جعلهم يحجمون عن الاعتراف بعدم امتلاك العراق لاية اسلحة دمار شامل. لو كانوا فعلوا لسقطت حجة امريكا في غزو العراق وكان تأجل مشروع تدمير العراق واخراجه من الصراع العربي الصهيوني.

بدأ غزو التحالف الغربي للعراق في (الذي سمته حرب تحرير العراق بينما سماه العراقيون حرب الحواسم – كناية عن عمليات السلب والنهب التي قام بها بعض العراقيون لدوائر الدولة ومنشءاتها) في التاسع عشر من ايار (مارس) لعام 2003 وانتهت باحتلال بغداد في الأول من ايار (مايو) من نفس العام والذي ادى الى احتلال العراق عسكريا من قبل امريكا وشاركت فيه بريطانيا واستراليا. ساهم في تسريع عملية الاحتلال مشاركة الأكراد في الشمال الذين سهلوا دخول القوات الغازية من الشمال بعد رفض تركيا استخدام قاعدة "انجرليك" التركية في الهجوم على العراق رغم الاغراء الكبير الذي عرضته امريكا عليها بتقديم سبعة مليارات دولار مساعدات.

قدمت الادارة الأمريكية قبل واثناء وبعد الغزو مجموعة من التبريرات لاقناع العالم والأمريكان بشرعية الحرب، غير ان كل تلك التبريرات لم تكن مقنعة. قالت الادارة الأمريكية ان نظام صدام حسين مستمر في عدم تطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالسماح للجان التفتيش عن الأسلحة بمزاولة نشاطها في العراق ووضعت امريكا موعدا نهائيا لبدء العمليات العسكرية بينما كانت اللجان تقوم بعملها في العراق. ومن التبريرات الأخرى ان نظام صدام حسين مستمر بتصنيع وامتلاك اسلحة دمار شامل وعدم تطبيق تسعة عشر قرارا امميا بشأن اعطاء بيانات كاملة عن ترسانتها من تلك الأسلحة. من الجدير بالذكر انه لم يتم اطلاقا والى يومنا هذا العثور على اية اسلحة دمار شامل في العراق بل ان نتائج مفتشي الأسلحة اكدت عدم امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل نهائيا. ومن التبريرات المضحكة هو ان نظام صدام حسين لديه علاقات مع المنظمات الارهابية مثل القاعدة ومنظمات اخرى تشكل خطرا على امن واستقرار العالم وهو ادعاء لم يثبت باي دليل لاستحالة وجود قواسم فكرية وعقائدية تجمع تنظيم القاعدة بنظام البعث العلماني.

رغم معارضة العالم والأمم المتحدة للغزو لأنه لم يحض بتفويض دولي، الا ان ادارة الرئيس بوش الابن مضت في مشروعها تنفيذا لاجندة قديمة ومخطط صهيو-امريكي لاخراج هذا القطر العربي الواعد من معادلة الصراع مع الدويلة الصهيونية وهي الخطوة الأولى لانهاء ذلك الصراع المصيري بين العرب واسرائيل التي فرض وجودها الغريب في المنطقة بالقوة والارهاب الدولي. انتهى العراق عمليا كدولة حقيقية لها سيادة وتولى حكمه مجموعات من اللصوص والعملاء لايران كحزب الدعوة ومنظمة بدر وما كان يسمى بالمجلس الأعلى بقيادة رجال ايران التي رعت تلك المنظمات واعدتها لمثل ذلك اليوم لتستلم عمليا الحكم في العراق بمباركة امريكية اسرائيلية واتفاقات ضمنية معهم على ان لا تمس مصالح امريكا وشركات النفط والجنود الأمريكان وصدرت الفتاوى من رجال الدين والمرجعيات على اعلى المستويات الشيعية بعدم قتال الأمريكان الذين كانوا يدركون التأثير الحاسم لهم في السيطرة على الشارع العراقي – الشيعي تحديدا – ولذلك تواصلوا مع اعلى مرجع شيعي في النجف مباشرة من خلال وزير خارجيتهم والحاكم المدني وقاموا بزيارته في مقره ونجحوا في تحييده. حاولت امريكا ان تنشيء نوع من التوازن في القوى المتصارعة في العراق – الشيعة والسنة والأكراد – ولكنها بهذا خلقت نظاما طائفيا يعتمد على المحاصصة التي لم يعرفها اي نظام سياسي سابق ولم يعهدها العراقيون من قبل وانشأت ما يسمى بمجلس الحكم في الثاني عشر من تموز (يوليو)  2003 بقرار من سلطة الائتلاف التي يرأسها بريمر وكانت تتولى شؤون العراق وتتمتع بكافة الصلاحيات التي اتاحتها لها قوانين الأمم المتحدة لسلطات الاحتلال. وامعانا في تخريب البنية الهيكلية للنظام السياسي العراقي قام بول بريمر – الحاكم المدني الأمريكي للعراق – وبتوصية من قيادات سياسية عراقية – شيعية – مثل احمد الجلبي وباقر الحكيم وبحر العلوم بحل الجيش العراقي والغاء التجنيد الالزامي وتحويل الجيش الى جيش طائفي وكذلك قامت تلك السلطة وبتشجيع من الأحزاب الطائفية بالغاء قانون الأحوال المدنية المعمول به في كافة العهود السابقة واستبدلته بقانون يتوافق مع الشريعة الاسلامية مما مهد الطريق للمحاصصة الطائفية حيث تم تقسيم الوقف الديني الى وقفين سني وشيعي. كما اقرت وجود ميليشيات طائفية مسلحة بتشجيع من ايران فنشأ ما يسمى "جيش المهدي" بقيادة شاب شيعي – مقتدى الصدر – ابن المرجع محمد باقر الصدر الذي قتل في العراق واتهموا صدام حسين بقتله بينما الحقيقة ان ايران هي التي دبرت مؤامرة قتله لأنه كان يدعو لانتقال المرجعية الشيعية في النجف الى مراجع عرب بدلا من احتكارها من قبل مراجع شيعية ايرانية منذ مئات السنين. وقام هذا الجيش الطائفي بعمليات نهب وسلب وتصفية المواطنين السنة بدوافع طائفية. وكذلك اقر بريمر القانون سيء الصيت – قانون اجتثاث البعث – الذي بموجبه تم اقصاء كوادر ادارية وعسكرية وثقافية كبيرة كانت ممسكة بمفاصل الدولة وهذا ما ترك فراغا اداريا كبيرا بسبب عدم وجود البديل لهؤلاء فحل محلهم ناس عديمو الكفاءة وكلهم تابعون لاحزاب طائفية لم تعرف الحكم ولا ادارة الدولة.

وجاء الدور بعد ذلك على القطر العربي السوري الذي كان يمتلك حدودا مع اسرائيل ويحكمه نظام شمولي هو النسخة السورية من حزب البعث – مع الفارق الكبير بين النظامين البعثيين العراقي والسوري – وكانت سوريا مستقرة نسبيا ولا تشكل تهديدا لاسرائيل رغم كونها من دول الممانعة التي ترفض التفاوض او الحديث مع اسرائيل وكان نظامها حليفا لايران التي يحكمها الملالي ويراودهم الحلم الفارسي القديم باعادة الامبراطورية الفارسية من خلال هيمنتها الطائفية على الدول العربية التي فيها الشيعة وبهذا تتحكم في سياسات المنطقة وممراتها الاستراتيجية وتصبح قوة اقليمية لها كلمتها في مستقبل منطقة الشرق الأوسط و العالم كله.

لم يكن الربيع العربي – كما اصطلح على تسميته – سوى مرحلة من مراحل تفتيت الأمة العربية وانظمتها  الدكتاتورية في مجملها. كان الوضع العام سيئا في الكثير من تلك البلاد التي هيمن عليها دكتاتوريون لسنوات طويلة يحكمون بالحديد والنار والفساد والأنظمة الأمنية الشرسة التي تكمم الأفواه وتسيطر على الصحافة وتقضي على اية معارضة. وكانت معظم تلك الأنظمة مدعومة من الغرب يزودها بالأسلحة والخبرات وكل وسائل البقاء والسبب ان تلك الأنظمة كانت تحقق للغرب مصالحه التجارية والاقتصادية حيث الشركات الكبرى تعمل هناك وتحقق مليارات الدولارات وفي نفس الوقت لم تكن اسرائيل مهددة من اي من تلك الأنظمة رغم انها – اي الأنظمة العربية – كانت على عداء ظاهر مع الدويلة اليهودية ولم تقبل باي شكل من اشكال التطبيع او الصلح معه – عدا مصر والأردن طبعا – وكلاهما تم اخراجه – كما اسلفنا – من ذلك الصراع المزمن كما كانت تلك الأنظمة تستخدم ذلك العداء الظاهري لتسوق وجودها كانظمة ثورية حريصة على استعادة الحق العربي من الدويلة الصهيونية. ومن الجدير بالذكر ايضا ان الشعب العربي في تلك الأنظمة كان يرفض اسرائيل ويعتبرها دويلة مغتصبة للحق العربي والفلسطيني كما يعتبر الأنظمة الحاكمة متواطئة مع الكيان الصهيوني ولم ولن تفعل شيئا لاستعادة الحقوق العربية المسلوبة.

لذلك انطلقت شرارة الربيع العربي من تونس في 2005. الملاحظ ان الربيع العربي يشبه الى حد كبير الربيع الأوروبي الذي انطلقت شرارته من جزيرة صقلية في كانون الثاني (يناير) من عام 1848 حين قام الشعب هناك بثورة ضد آل بوربون ونجحت الثورة ثم انتشرت الى خمسين دولة اوروبية ضد الأنظمة الاستبدادية في اوروبا.

وكان اول من استخدم كلمة "الربيع" لوصف ثورة هو المؤرخ البريطاني اريك هوبزباوم المولود في 1917 والذي وصف ما حدث خلال الفترة من 1789 و 1848 بثورة ربيع الشعوب (كتابه بعنوان عمر الثورة 1789 – 1848 ).

اما اوجه الشبه بين الربيع الأوروبي والعربي فهو غياب الرؤية لدى القوى الشعبية المتحمسة بعد اسقاط الأنظمة وفشل معظم الثورات بعد اعادة القوى المحافظة تنظيم صفوفها واستخدامها لنفس وسائل الدعاية والاعلام التي استخدمتها القوى الثورية – كما حصل في تونس ومصر – او ان تلك الثورات تم انتزاعها من ثوارها الحقيقيين – وهم عامة الشعب والمسحوقين والشباب – من قبل القوى الاسلامية المتطرفة – كما حصل في ليبيا وسوريا – واحدى نقاط التشابه بين الربيعين الأوروبي والعربي وهي نقطة مهمة جدا، وهي انه رغم فشل الربيع العربي فان الأمور لم تعد كما كانت عليه من قبل.

قيل ان اول من وصف الثورات العربية بالربيع العربي هي مجلة Foreign Policy الأمريكية التي ذكرت في تقرير لها ان من استخدم هذا المصطلح هم المحافظون في عهد جورج بوش في وصفهم للازدهار القصير الأمد للثورات المطالبة بالديموقراطية في الدول العربية عام 2005.

سرعان ما تحولت الثورة السورية التي انطلقت شرارتها من درعا الى ثورة مسلحة ضد نظام بشار وانتشرت لتشمل كل محافظات القطر العربي السوري وحضيت بدعم كبير من دول الخليج وتركيا ومن الغرب ايضا. الا ان اسرائيل لم تساند تلك الثورة واصرت على بقاء بشار في الحكم رغم ان نظامه كان من دول الممانعة ونظامه يدعو للوحدة العربية وقضية فلسطين تعتبر قضيتهم المركزية. تلك كانت للدعاية والاستهلاك السياسي اما الحقيقة فكانت غير ذلك تماما حيث ان النظام السوري لم يطلق رصاصة واحدة على اسرائيل منذ انتهاء حرب تشرين في 1973 وكذلك لم يسمح للمقاومة الفلسطينية بالعمل على الحدود مع اسرائيل وكذلك لم يفعل شيئا لاستعادة الجولان المحتل. كل ما كان يفعله هو المقاومة على صفحات الجرائد والمؤتمرات. غير ان الثورة السورية العفوية سرعان ما تلقفتها ايادي اخرى تساندها دول لها اجندات كبيرة. واستغلت تلك القوى حاجة الثورة السورية المسلحة الى الدعم المالي والعسكري ففرضت عليها رؤيتها واسلوبها – وكانت على رأس تلك القوى المملكة العربية السعودية وبقية الدول الخليجية وكذلك تركيا بقيادة اوردوغان المحسوب على الاخوان المسلمين. وتحول الصراع الذي تقوده المعارضة السورية الى نزاع اقليمي ودولي قابله النظام بشراسة منقطعة النظير بدعم ايراني كبير من خلال ارسال ميليشيات طائفية عراقية وافغانية وفارسية وميليشيا حزب الله اللبنانية ولاحقا دعم روسي عسكري واسع بحجة محاربة الارهاب الذي خطف الثورة السورية وسيطر على معظم المناطق التي حررها الجيش السوري الحر بدعم تركي وقطري. كلفت الحرب الأهلية السوريين التي استمرت منذ آذار (مارس) 2011 وحتى هذا اليوم خسائر لم يسبق لها مثيل في تاريخ الحروب الأهلية حيث قتل ما لا يقل عن 350 الف قتيل بينهم اكثر من 100 الف مدني وفي عدادهم حوالي 2000 طفل. كما اجبر ذلك النزاع الرهيب حوالي نصف السكان البالغ 23 مليون الى ترك منازلهم منهم 6.6 مليون نازح داخل البلاد. واعلنت منظمة فرنسية تدعى ((انديكاب انترناسيونال)) ان حوالي ثلاثة ملايين شخص اصيبوا بجروح، بينهم مليون ونصف المليون معوق اعاقة دائمة. وارغمت الحرب الدموية اكثر من 5.4 مليون سوري على الفرار من سوريا الى دول الجوار واوروبا (3.3 مليون في تركيا و 1.5 مليون في لبنان واكثر من نصف مليون في الأردن وحوالي 100 الف في مصر واكثر من ربع مليون في العراق ومئات الآلاف في اوروبا وخاصة المانيا). كما قام النظام السوري الوحشي بعمليات ابادة جماعية في المدن والقرى السورية بالقنابل والبراميل المتفجرة والسلاح الكيمياوي، بالاضافة الى عمليات اعدام جماعية في داخل سجن صيدنايا الرهيب حيث تم شنق حوالي 13 الف معتقل بين عامي 2011 و 2015 يضاف الى اكثر من سبعة عشر الف قتلوا داخل المعتقلات. بالاضافة الى اكثر من ستين الف شخص قتلوا خلال 6 سنوات تحت التعذيب او الظروف القاسية في سجون النظام. يقول الخبراء ان الحرب السورية اعادت الاقتصاد السوري ثلاثة عقود الى الوراء ودمرت معظم بناه التحتية وقدر البنك الدولي تكلفة الخسائر الناجمة عنه بحوالي 226 مليار دولار اي ما يوازي اربعة اضعاف اجمالي الناتج المحلي قبل اندلاع الحرب. كما تعمد النظام وبدفع من ايران والميليشيات الطائفية الى تهجير السكان من مدنهم وقراهم وتغيير البنية السكانية (ديموغرافيا) لتلك المناطق.

لا يخفى على اي متابع ان سوريا بعد الحرب لن تعود كما كانت ابدا وستمضي عقود طويلة قبل ان تعيد بناء ما دمرته الحرب ولذلك فانها لن تصلح ولن تفكر في مواجهة اسرائيل ولن يمضي وقت طويل حتى تجلس الى طاولة المفاوضات وتعقد اتفاق سلام على غرار معاهدة كامب ديفيد. هذا ما خططت له دوائر الصهيونية وامريكا تماما وساعدتهم على تنفيذه ايران منذ مجيء نظام الملالي بقيادة خميني.

اما الهدف الثاني الذي يصب في خدمة المشروع الصهيوني الكبير فكان ايجاد عدو آخر للعرب غير الكيان الصهيوني. وكان لابد لهذا العدو ان يكون عقائديا واستيطانيا وله اطماع تاريخية ودينية في الوطن العربي. لم يكن هنالك افضل من ايران للعب هذا الدور في خدمة المخطط الصهيوني الكبير لأنها تتميز بكل ما هو مطلوب رغم ما يجمعها مع العرب من تاريخ مشترك ودين واحد وتقاليد متشابهة ومصالح كبيرة لو قدر لها ان تتقارب لأصبحت قوة اقليمية بل ربما دولية تسيطر على اكثر من ثلثي مخزون البترول العالمي. لكن التاريخ لا يخطيء ابدا لأن الفرس لن ينسوا ان العرب هم الذين دمروا امبراطوريتهم القديمة وادخلوهم الى دين ليس بدينهم وغيروا لغتهم وعاداتهم بل وحتى اسماءهم. لم ينس الأيرانيون ان العرب اقوام من البدو كانت على اطراف الحضارات القديمة – البيزنطية والفارسية – وانها لا تمت للحضارة بصلة وان جزءا كبيرا من امبراطورية فارس زالت واحتلها العرب وحلم استعادة تلك الامبراطورية لم يزل يراود حكامها لكن من خلال طريق مبتكر ومؤثر وهو الطائفية والمظلومية المزعومة وثارات اهل البيت. ادركت الصهيونية منذ انتصارها على العرب في حرب الستة ايام ان ضمان وجودها كيانا دائما في الشرق الأوسط يتطلب قوة هائلة لا يمكن ان تتوفر في دويلة اسرائيل المحاطة بالأعداء من كل الجهات وهم ليسوا اعداءا عاديين بل شعب عربي لديه كل مقومات النهوض والقوة والثروة يمكنه في ايام ان يبتلع اسرائيل كلها ويزيلها من الخارطة لو اتيحت له الظروف الموضوعية في اي زمن قادم. وادركت ايضا ان الدعم غير المحدود الذي يديم وجودها والذي توفره لها الدول العظمى – امريكا والغرب – سرعان ما ينتهي في يوم من الأيام اذا تغيرت موازين القوى وعندها فان اسرائيل ستكون تحت التهديد المرعب وهو زوال دويلتها والقضاء على حلم بني صهيون في ارض الميعاد الخرافية. الحل الاستراتيجي كان ايجاد خطر آخر يواجهه العرب بدلا من اسرائيل بل حتى يتحالف معها امام ذلك الخطر. وهل هنالك خطر اكبر من الخطر الفارسي الذي يسعى للهيمنة على الشرق العربي عقائديا واستيطانيا كما يحصل في العراق وسوريا ولبنان؟ ان التخادم غير المعلن بين الصهيونية والفرس هو ثمرة عقود من التخطيط والدراسة شارك فيها فطاحلة المفكرين والاعلاميين والساسة في امريكا وبريطانيا واسرائيل. لكن طموح الفرس ونظام الملالي لا يقف عند حد ولم يكتفوا بما سمحت لهم به الصهيونية وامريكا ان يفعلوه في العراق، ليس حبا بهم ولا خوفا منهم بل لتحقيق المهمة الكبيرة التي تصب في مصلحة انهاء الصراع العربي الصهيوني نهائيا وان تتحول اسرائيل الى صمام الأمان للعرب امام الهجمة الفارسية، والفكرة الأساسية وراء ذلك هي ان اسرائيل مهما بلغت من قوة ومهما تمادت في معاداتها للعرب فانها لا يمكن ان تحتل بلادهم او تغير دينهم وتفرض عليهم عقيدة اليهودية. كل ما يمكن ان تفعله اسرائيل هو ان تكون قوة عسكرية او شرطي يحمي جيرانه وياخذ منهم اتاوات. اما ايران فهي وحش طائفي ومارد ديني تعداد سكانه يقارب المائة مليون مع ايديولوجية شرسة طائفية تريد ان تقلب كل موازين الحياة في البلاد العربية وبامكانها ان تتمد عموديا وافقيا مستغلة وجود المواطنين العرب الشيعة في البلاد العربية الذين تجند بعضهم لتنفيذ ما تريد كما فعلت في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وما زالت تحاول في البحرين وشمال افريقيا ومصر. وعلى هذا الأساس تعمل الدوائر الصهيونية لتغيير العقل والوعي العربي، الذي ظل لعقود طويلة يرى ان اسرائيل هي العدو الرئيسي للعرب والاسلام،لكي يواجه عدوا ابشع واقوى من اسرائيل بل يستعين او يتحالف مع اسرائيل لمواجهته وقهره. عبر مئات السنين ظل النزاع الطائفي بين الشيعة والسنة تحت الرماد منذ سقوط الدولة الفاطمية في مصر على يد صلاح الدين الأيوبي في عام 1171 م. كان ذلك النزاع يتخذ اشكالا متعددة تصل الى الاقتتال وسفك الدماء وخاصة بعد ان تحولت الدولة الصفوية من المذهب السني الى الشيعي في عهد اسماعيل الأول الصفوي مؤسس الامبراطورية الصفوية في عام 1501 م مما جعل ايران المستودع الأكبر للمذهب في العالم. يبدو للمتتبع ان الخلاف السني الشيعي هو خلاف فقهي عقائدي وفتاوى مذهبية مرتبطة بفروع الدين وليس في اصوله ويمكن تلخيصه بما يلي:

  • العصمة

  • الصحابة

  • التقية

  • زواج المتعة و

  • الميراث

لكن الحقيقة هي ان اصل الخلاف سياسي ويتعلق بالحكم والسلطة وليس شيئا آخر. يعتقد الشيعة ان الرسول محمد (ص) اوصى بالامامة من بعده الى ابن عمه علي (ع) بينما يقول علماء السنة ان لا وصية للرسول بشأن الخلافة وان المسلمين – الصحابة تحديدا – لهم الحق في اختيار الصحابي المناسب لتولي امر المسلمين وهذا يطابق – كما يعتقدون – للآية التي تقول "وامرهم شورى بينهم" وان الامام علي نفسه وافق على هذا المبدأ وبايع الخليفة ابو بكر ومن بعده عمر وعثمان.

ما يهم في هذا البحث هو ان الدوائر الصهيونية والغربية عرفت مكمن الضعف في العقل العربي واستغلته استغلالا صحيحا لتحقيق اهدافها في منع توحيدهم في كيان واحد وتحت فكرة عروبية وحدوية واحدة كما كانت الحركات والأحزاب القومية تدعو منذ معاهدة سايكس بيكو